محمد دياب الإتليدي
147
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
فقالت : والله لا بد أن أؤثر فيه أثراً . ثم أمرت بضربي فضربت على أضلاعي الضرب الذي رأيتموه ، وأمرت بإخراجي . فأخرجوني وأبعدوني عن القصر ، ورموني ورجعوا وتركوني ، فلمت نفسي : فمشيت قليلاً قليلاً إلى أن وصلت إلى منزلي ، وأحضرت جراحاً وأريته الضرب فلاطفني وسعى في مصالحي . فلما صح جسمي دخلت الحمام وزالت عني الأوجاع والأسقام . وجئت إلى الدكان وأخذت جميع ما فيه وبعته وجمعت ثمنه واشتريت أربعمائة مملوك ما جمعهم أحد من الملوك يركب معي في كل يوم مائتان ، وعملت هذا المركب الحراقة بألف ومائتين من الذهب العين ، وسميت نفسي بالخليفة ، ورتبت من معي من الخدام كل واحد في وظيفة وناديت : كل من تفرج في الدجلة ضربت عنقه بلا مهلة . ولي على هذه الحالة سنة كاملة ولم أسمع لها بخبر ولا وقفت لها على أثر ، ثم إنه بكى وأن واشتكى وأنشد يقول : والله ما كنت طول الدهر ناسيها . . . ولا دنوت إلى من ليس يدنيها كأنها البدر في تكوين خلقتها . . . سبحان خالقها سبحان باريها صدت ولا ذنب لي إلا محبتها . . . فكيف حال الذي قد بات نابيها وصيرتني حزيناً ساهياً دنفاً . . . والقلب قد حار مني في معانيها قال : فلما سمع هارون الرشيد كلام الشاب وما أبداه من الخطاب تعجب غاية العجب . وقال : سبحان من جعل لكل شيء سبباً . ثم إنهم طلبوا من الشاب الانصراف وأضمر الرشيد للشاب الإنصاف وأن يتحفه غاية الإتحاف ، فانصرفوا من عنده سائرين وإلى قصر الخلافة طالبين ، ولما استقر بهم في منزلهم الجلوس غيروا ما كان عليهم من الملبوس ولبسوا أثواب الموكب والملك والزينة ، وكذلك مسرور سياف النقمة والعطب ، فقال الخليفة لجعفر المهيب : يا وزير ! علي بالشاب . فخرج إليه في الحشم والخدم وسار إلى منزل الشاب فخرج إليه وسلم عليه فقال له الوزير جعفر : أجب أمير المؤمنين . فقال : سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين وحامي حوزة الدين . فسار معه إلى القصر وهو من الترسيم عليه في حصر ، فلما دخل إلى الخليفة ورفع الوزير الستر عن السدة الشريفة ورأى الشاب الخليفة عرفه ، فقبل الأرض بين يديه ودعا له بدوام العز وأثنى عليه وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين وحامي حوزة الدين